منصور بن أحمد الهروي
36
منية الراضي في رسائل القاضي
خاتمة : أبو أحمد منصور بن محمد الهروي - كما يلقانا في « منية الراضي في رسائل القاضي » ممن هنئوا ، وشكروا ، ومدحوا ، واشتاقوا ، وعاتبوا ، وشكوا ، واعتذروا ، وواسوا ، وتشفّعوا ، وداعبوا ووصفوا ما خالج أفئدتهم ، ووقعت عليهم حواسهم ، وكلها مواقف شائعة ومشاعر متداولة يعرض مثلها أو ما يشبهها لأكثر الناس على اختلاف الأزمنة والبيئات ، اتخذ لها الهروي نوعا من الأنواع الأدبية المعروفة ذات التقاليد الراسخة في تراثنا العربي منذ القدم ، وهو الرسائل ، وقد تنوّعت لديه موضوعاتها وتفاوتت طولا وقصرا ، وجدّا وهزلا ، وأغرقت في استخدام التشبيهات والصور إغراقا أدّى بها إلى التهويل والمبالغة في مواضع كثيرة ، ولكن كاتبها دلّ على ثقافة لغوية مسيطرة على الألفاظ والعبارات وحسّ دقيق مكنة من الملاءمة بين ما يرغب في التعبير عنه من المعاني وما يرغب فيه من السجع وسائر أصناف البديع الأخرى ، كما دلّ أيضا على حسن استخدام لما يثقفه من التراث العربي : شعره ونثره وأمثاله وحكاياته وخرافاته . ولا جدوى من قول القائل إن مثل هذا النثر إنما هو كلام نمطى ، فيه من الشكل أكثر مما فيه من المضمون ، أو إنه لا يقدم غير قوالب جاهزة للصبية أو صغار الكتبة ، ممن يراد لهم المران والتقويم ، فذلك حكم جائر لا يقوم عليه دليل ، لأن من اليسير أن يقال أيضا إن الصلة بين الهروي وكتاباته ، هي نفسها الصلة التي تنشأ - ابتداء - بين الإبداعات الأديبة ومبدعها حين يعاني التجارب ويعايش المعاني ، ثم يسلك سبيله المتميز ، ويتوسل بأدواته الخاصة ، حتى تخرج كتاباته على الصورة التي يأنس إلى صدقها ووفائها ، ويراها بعين بصيرته الأسلوب الأمثل في الإفصاح والإبانة .